Tuesday, November 4, 2008

الفاطميون : العرب في صقليّة - جزع ١

أطلب المعذرة من القرّاء العرب لأنّهم، من الممكن، يعرفون التَارِيخ العربي كلياً، و هذا الموضوع قد يكون مملاً بالنسبة لهم؟ لكن ما نظنّه مملا قد يحمل في ثناياه الكثير من المتعة، و اسمحوا لي الآن أن أسوق لكم جملةً من الأعذار التي دفعتني إلى الكتابة والتي، بدورها، قد تساعدكم على القراءة:: أولاً، ، و هو الأكثر أهمية، هو أنه من الممكن أن تتعرفوا، عبر ذلك، على وجهة نظر خارجية (أجنبية) بالنسبة للماضي العربي، هذا ما (آمل أن) يولّد حواراً نقدياً بنّاءًا؟ ثانياً: لا يعرف الناس في بلادي شيئاً عن تاريخ المسلمين في أوروبا، و يحتاجون إيضاحاً . أمّا عن ثالثاً: فهو أنّني أحب إيطاليا كثيراً مثل الشرق الأوسط، كما أنني سكنت فيها و أتمنّى أن أعرف أكثر عن العلاقات بين الثقافة العربية و الثقافة الإيطاليّة وأن أشارككم هذه المعرفة. إن لم تكن هذه الأسباب كافية، فإنّني أُجيزُ لكم ألّا تقرؤوني، و أن تستمتعوا بمشاهدة الصور و الرسوم فقط!
عندما نتكلّم عن "الفتح العربي"للعالم و تاريخه، معظم الناس في أوروبا يفكرون مباشرةً بالأندلس أو بالمغرب العربي، لكنهم لا يتذكّرون أبداً الجزر الموجودة في البحر الأبيض المتوسط و لا سيّماً الدّولة العربية في صقلية. أريد أن أحَدِّثَكم، بادئ ذي بدء، عن تاريخِها (= صقيلية) و من ثمّ عن بيئتِها و نظامِها، و أَخيراً عن رجالاتها المشاهير ، العلماء مِنهُم و الشُعراء و المهندسين من عربِ صقلية.
إسمُ صقليةَ إغريقيّ الأَصل، مأخُوذٌ من اسم سُكَانِها، منذ ١٤٠٠٠ سنة قبل الميلاد، و هو "سيكاني". و السيكاني هم في الأصل من شبه الجزيرة الإيبيرية ، و بعد السُكان الأصليين لِلجزيرة بزمن بعيد أتى العربُ في عام ٨٢٧ م و بقوا فيها لِمدةِ ٢٦٦ عاماً. من المهم أن أذكر أن الِموقع الإِستراتيجيّ لصقلية هو السبب الرئيسِ في أنها كانت مأهولة منذ ذلك الوقت، إذ أنها تَقَعَ على ملتقى الطرق التجارية بين الشرقِ و الغربِ في البحر الأبيض المتوسط.
، من الصعبِ الحديث (من المنظور التاريخي) عن صقليةَ دون ذكر الفاطميين، حيث أن الجزيرة كانت بيزنطية-مسيحية حتى عام ٨٢٧ م (تاريخُ فتحِ الفاطميين لَها)، إذ كانت غارقةً في فوضى عارمة حتى مجيء الفاطميين الذين أقاموا فيها النظام و نشروا الإسلام. حَاوَلَ عربُ إفريقية، و هم الأغالبة ، في بدايةِ القرن الثامن الميلادي كثيراً غزو صقلية لكن دون نتيجة. و حيث أن سيطرة البيزنطيين على الجزيرة كانت ضعيفةً، فقد تمكن الأغالبة من دخولها في عام ٨٢٧ م من مدينة مازارا (مارسالا) غرب الجزيرة مروراً بمدينة باليرمو عام ٨٣١ م، ثم الجبل في منتصف الجزيرة وصولاً إلى القسم الجنوبي الشرقي الذي كانت السيطرة عليه أصعب بسبب الوجود الكثيف للسفن والأساطيل البيزنطيّة في ذلك الجانِب.
تحت السيطرة الإسلامية, استبدل العرب العاصمة سيراكوزا بمدينة باليرمو، حيث يوجد مرسى ضخم ، الأمر الذي يساعد على فتح إيطاليا الجنوبية. وقد كان من الطبيعي أن يُعيدَ العرب تنظيم العاصمة الجديدة (باليرمو) وفق الطريقة العربية بعد أن كانت منظمةً بحسب النظام الروماني، إذن كان فيها مركز واحد مُحَاط بالضواحي يتضمن المراكز الحكومية، لكن مع الترتيب العربي يوجد عدة مراكز و الضواحي تقع بينها ومن هذه الضواحي كان يتم اختيار ضاحية محصّنة تسَمًّى "الخليشة" حيث يتم إنشاء المراكز الحكومية ..
الأغالبة في الأصل هم من العرب السنة الحلفاء لمركز الخلافة العباسي في بغداد، وقد أُرسلو من قبل الخليفة (المأمون) للسيطرة على جزيرة صقيلة ولكنهم تعرضوا فيما بعد للغزو الفاطمي الذين تمكنوا من احتلال الجزيرة والتعايش سلمياً مع وجود الأغالبة، رغم أن الأغالبة كانوا يقومون بالثورات ضد الحكم الفاطمي محاولين استعادة السيطرة على الجزيرة.ل

Sunday, October 19, 2008

سَكَنِيْ في البيت في سوريا

عندما وصلت إلى الشام، منذ سنة تقريبا، كانت تلك المرة الثانية التي أسافر فيها إلى سوريا. في بداية الأمر، رجعت إلى البيت الذي سكنته في المرة الأولى و الذي يقع في البرامكة، و هو سكن مشترك مع ثلاثة أشخاص أجانب، من بينهم شخص واحد، و هو تشاديّ، لم يغادر البيت منذ المرة السابقة بوصفه يعمل مندوبا من الشركة المؤجّرة. لكني، و بهدف التعرف أكثر على الحياة السورية و التقرب أكثر من السوريين، كنت أفضل أن أستأجر بيت مع شخص سوري.
تملك شركة أرابيسك ذلك البيت ، و هي شركة مُتَخَصِّصة بتأمين السّكن للطلاب الأجانبّ المعنيّين بدراسة اللغة العربية في سوريا ،كما تسدي خدمات مأجورة مِثْل زيارةٍ سياحية، معلّم خاص، خدمة البريد...إلخ. كان مدير الأرابيسك يسلك في علاقاته الاجتماعية مع الناس سلوك المتديّن الورع حيّ الضمير، و لكن الوقت كان كفيلا بتعرية الدوافع الخفية وراء ذلك السلوك العصامي! فأسعار الخدمات في أرابيسك أسعار أوروبية، لكنها و في الوقت نفسه تدفع لموظّفيها أجوراً سوريّةً، و بشكل غير دوري "ممكن مرة كل ثلاثة شهور". الشيء الأسوأ بالنسبة لي هو أنّهم يبرِّرون أفعالهم باستخدام الدّين، و يعطون صورةً مغلوطةً سلبية عن سوريا. المهم، بعد أن قضيت شهرا اطّلعت فيه بشكل جيد على التقاليد التشاديّة، و تحدّثت فيه كثيرا بالانكليزية و الاسبانية، هربت من الشقة البرامكيّة. تلت تلك التجربة البحث عن منزل و مستأجرين جدد مع صديقتي السويسرية.
لا أدري إذا ما كنت أختار أصدقائي جيدا، فالأول (الرسام) لم يستطع أن يدفع معنا أجرة المنزل في البداية، لذلك دفعت أنا عبه ١٥٠٠٠ل.س، و لكنه -فجأةً- قرر أن يترك البيت بعد شهرين دون أن يدفع لي أي شيء ، و حتى الأن لم يدفع لي سوى ٤٠٠٠ ل.س و بالتالي أستطيع أن أقول أنه سرقني... أما الثاني، فهو عدا عن كونه وسخ و فنان في إحداث الضجة، فهو كاذبو مهمل، و أعتقد أن ما أقوله قاسٍ قليلاً... و لكنها الحقيقة.
هل من الممكن أنني كنت صبوراً جداً أو أنني وثقت به أكثر من اللازم؟
لكن مشكلتهما المشتركة هي أنهما يحتاجان إلى "أم" في البيت و أنني يجب أن أكون هذه "الأم". فعليّ دأعاً أن أقول لهما ما يفعلانه في البيت من تنظيف و طبخ و طريقة الدخول إلى الحمام، و أكثر من ذلك فإن من واجبي أن أوقظَ الثاني في الصباح لأنه لا يستطيع الاستيقاظ لوحده.
كما أنني لم أستطع أن أشعر بلإستقلالية و بأنني أستطيع أن أفعل ما أريد لوحدي و بأنّ لديَ أيدا مــشاريعي الخاصة دونهما فـــكانالثاني (مثلاً) يحزين بشدة عندما أفعل شيء لوحدي كَأنْ أذهب إلى حفلة موسيقية أو إلى البار بدونه. ا